فخر الدين الرازي
28
تفسير الرازي
أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون الثالث أنها نزلت في مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر . المسألة الخامسة : في التفسير قوله : * ( أحسب الناس أن يتركوا ) * يعني أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم * ( آمنا وهم لا يفتنون ) * لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية ، واختلف أئمة النحو في قوله : * ( أن يقولوا ) * فقال بعضهم : أن يتركوا بأن يقولوا ، وقال بعضهم : أن يتركوا يقولون آمنا ، ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا ، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيد أن تمنع من ذلك ، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحداً من أن يقول آمنت ، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم . المسألة السادسة : في الفوائد المعنوية وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر " لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله ، لكن للقلب ترجمان وهو اللسان ، وللسان مصدقات هي الأعضاء ، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان ، فلا بد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الاتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله ، وزكى بترك ما سواه أعماله ، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله ، فيحرر في جرائد المحبين اسمه ، ويقرر في أقسام المقربين قسمه ، وإليه الإشارة بقوله : * ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) * يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين ، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين . فائدة ثانية : وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلماً فإن ما دونه دركات الكفر ، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه ، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضاً في شغله ماضياً في فعله ، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة ، ومنهم من يكون كسلاناً متخلفاً فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير ، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه ، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابداً مقبلاً على العبادة مقبولاً للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلاً بالخلاعة ، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة ، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروماً ويلحق بأهل العناد مرجوماً ، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله ، فقال الله بشارة للمطيع الناهض * ( أحسب الناس أن يتركوا ) * يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا ، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى : * ( والذين أوتوا العلم درجات ) * ( المجادلة : 11 ) * ( فضل الله المجاهدين . . . على القاعدين درجة ) * ( النساء : 95 ) . وقال بضده للكسلان * ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ) * يعني إذا قال آمنت ويتخلف